السبت، 24 مايو 2014

#اعترافين


يحكى قائلا : قديما منذ عدة سنوات كنت أقضى وقت أجازتى الصيفية فى عملٍ ما وكل صيف حسب عمله , كانت إحدى الأعمال هى خدمة توصيل الطلبات "دليفيرى" وكنت أقضيها ماشيا , وبرغم حر الصيف القاسى فكنت أستمتع جدا بموضوع المشى فى حرارة الشمس وكان لديَّ فكرتين أستمتع بهما أثناء المشى.
الأولى : كانت عبارة عن مباريات المربع الذهبى لكأس العالم , وكان دائما المربع الذهبى يضم أربع منتخبات : إيطاليا - البرازيل - هولندا - (أسبانيا أو فرنسا)
وكان فى ذهابى بختار فرقتين ضد بعض وبتكون المباراة عبارة عن الحصى والزلط الصغير الموجود بالشارع وبصّوبه بقدمى تحت السيارات الراكنة أو المارة بجانبى , وكان الفيصل فى السيارات إن السيارات الغامقة اللون هى مرمى إحدى الفريقين والسيارات ذات الألوان الفاتحة هى مرمى الفريق الأخر !
وفى حالة إن السيارة راكنة ومغطاه, إذن نحتكم للون الغطاء إذا كان غامق أو فاتح !
وفى أثناء العودة بيكون المباراة الثانية بين الفريقين الأخرين , والفائز من اللقائين بيصعد للمباراة النهائية والتى تكون فى المشوار الذى يلي مشوار مبارات الدور قبل النهائى.
كان فى ملحوظة هامة بتؤثر على نتيجة المباريات : إن الحصى اللى تدخل تحت سيارة ماشية بجانبى الهدف فى الحالة دى بيتحسب بهدفين طبعا لإن التسديد أسفل عجلات سيارة متحركة أصعب من التسديد تحت عجلات سيارة ثابتة فى مكانها ..
ومن الطريف إن منتخب إيطاليا دائما كان هو الفائز بكأس العالم بصورة شبه يومية.
الوسيلة الثانية للإستمتاع : كانت عبارة عن المشى على الرصيف , تحديدا على الرصيف الملون بأسود وأبيض وكنت أحاول المرور من حجر أسود لأسود دون لمس الأبيض أو إنى كنت بمر مثلا على نقطة تجمع مياة وأثب فوقها بطريقة بهلوانية وكنت بحس بسعادة بالغة جدا فى هذا الفعل !!
ثم كان الأمر الأغرب منى حينها إنى كنت بلعب بالأشياء المحيطة بى فى الشارع , فمثلا لو إفترضنا إنى داخل شارع يمين وإن أول سيارة راكنة فى هذا الشارع كانت حمراء مثلا فذلك يعنى إن اليوم سيبقى جميلا مثلا !
أو لو إنى إشتريت مجموع شوكولاتة وبسكويت وقفل حسابى 3 جنيهات فقط فهذا يعنى إنى ممكن أكافئ نفسى بشراء حلويات بالمتبقى من الـ 5 جنيهات الورقية شريطة ألا يزيد عن الـ 5 جينهات بأكثر من 0.75 قرش مثلا وإلا فإن أمرا سيئا سيحدث ..
كان هذا الأمر من الغرابة بمكان فى نفسى لما كبرت وتخيلت منظرى فى تلك الأثناء ,
بل أتذكر إن أحد الكبار فى تلك المنطقة التى كنت أمارس فيها إستمتاعى استوقفنى مرة وسألنى لماذا أمشى كأننى تائه فى الطريق , أطلع رصيف وأنزل وأقترب بشدة من سيارة وأبتعد عن أخرى ؟!
وكنت أذوب خجلا خشية أن أحدثه بما أفعل وإيمانا منى أنه لن يستوعبنى !!
مؤخرا قرأت "اعتراف منتصف الليل" لـ جورج ديهامل وذكر في إعترافاته إنه كان يفعل نفس ما أفعل أثناء سيرة فى ضواحى باريس البائسة !!!!
وهذا نص كلامه :-
"وإليك ما حدث فى هذا الأمر من جنون: تأتى لحظة لا أستطيع فيها أن أذود فكرى عن قصة الفجوات هذه, ثم أحس قليلا قليلا وأنا أتظاهر بأنى لا أقيم للأمر وزنا , أنى أمد خطواتى أو اقصرها حتى تقع نعلى على الفجوة تماما , وأفعل ذلك بغير اكتراث , كأنى أود أن أخفى عن نفسى ما أفعل , وتستمر هذه الحالة زمنا , ثم ألاحظ فجأة أن الخيال يبدء فى دوره فأقول لنفسى : لا لست أنا الذى أقول بل هو شئ فى نفسي بغير أن يكون هو نفسى , أقول لنفسى إذا لم أبلغ ثالث مصباح من مصابيح الغاز وأنا أخطو بإنتظام خطوتين على كل قطعة جرانيت , فسوف يقضى على حياتى بالضياع , وعلى محاولاتى بالفشل , فإذا وصلت إلى ثالث مصباح عينت لنفسى واجبا آخر , كأن أصل بتلك الشروط نفسها إلى كشك لبيع الصحف مثلا !
ذلك والشيطان يتمتم : إذا سار كل شئ كما ينبغى .. إذا ضبطت خطوتيك , فلا بد أن يصيبك بعض الخير فى يومك هذا.
آه ! أممكن حقا يا سيدى أن يكون المرء غبيا إلى هذا الحد ؟
تذكر أنى لا أومن البتة بالخرافات , وتذكر على وجه الخصوص أنى حين كنت أتصنع هذه الأحاسيس لم أكن أكف عن التأمل فى نفسى تأملا يشوبه الإحتقار بل فى أكثر الأحيان عن التفكير فى أمر بعيد .."

أخيرا : إن فكرة كتابة جورج ديهامل لإعترافات منتصف الليل كانت تصوير المحنة والبؤس الذى يعيشه الفرد فى العصر الحديث وصراعه مع أفكاره ومعتقده .
والخلاصة إن المقطع السالف الذكر هيّج ذكريات تلك الأفعال الحمقاء فى ذاكرتى , بل إنها دفعتنى لأفعل إحداها الليلة وربما اخترت فعلا جديدا قد يكون حدوثه يعنى أن خيرا كثيرا فى طريقه للإقتراب منى.
وآمل أنك تفعل مثلي !
لا أدرى مالذى ينبغى فعله بعد قراءة تلك الكلمات ولا الإحساس الذى ينتاب قارئها ولا مدى السخط الذى قد يعترى أحد الذين أنفق وقته فى قراءة هذا الهراء , لكن من المؤكد أن لكل منّا فَعلَه يحتفظ بها لنفسه كانت تعبر عن مدى حماقته مع نفسه وربما كانت سبيلا للتندر وسرد الحكايا فى ليلة مظلمة على ضوء شمع بائس فى طريقه للإنتحار رويدا رويدا.

الاثنين، 3 مارس 2014

سيرة ذاتية


بأِسا كعادته استيقظ من نومه بلا أمل فى الحياة, يقلب فى هاتفه لمح جديدا فى صندوق الوارد, ألقى نظرة خاطفة وجدها رسالة بشأن التأكيد على مقابلة وظيفية مُقرر إجرائها فى الغد.
استَلم التفاصيل وكان عليه أن يستعد لتلك المقابلة, 
استعار حُلة صديقه وبدا وسيما حينما أزال لحيته ذات الأربعين يوما وبات ليلته يحلم !
كان أول ما فكر فيه ليس قبوله أم لا ,لقد كان فقدان تلك الوظيفة أمر مستحيل بالنسبة له رغما عنه, فرفْضه يعنى أن يترك تلك الوحدة السكنية التى يقطنها وأشياء أخرى , لكنه كان يفكر فى سداد ولو جزء من ديونه التى صارت تُكَّبلهُ حتى عن النزول للشارع , وبات الليل يفكر فى بعض حقوق مشروعة له كإنسان وحُلماً له كمواطن ! 
بات ليلته يُقّسم مُرتّبهُ الأول بين سداد جزء من دُفعات الإيجار المتأخرة وبين أن يكون حراً ببقاء بعض النقود فى جيبه فى أى وقت , 
بل إن الحُلم إمتد به ليحلم بالزواج والتفكير فى المستقبل !!
كان يعلم أن تلك الأمور لا تتعدى الحُلم حينها لكنها قد تصبح حقيقة واقعية لو أراد الله.
بات الليل طويلا أكثر مما ينبغى , رغما عنه لم يستطع النوم , فما أسوأ أن يتعلق الإنسان بأمرٍ ما يشعر أن لا شيء بعده فى الحياة وقد كان !!
فى الصباح الباكر لم يتنظر قرب الموعد المقرر له الحادية عشرة ظهرا , ارتدى حُلته واطلع على بعض أوراق وتقارير خاصة بمجال عمله ونبذة عن تلك الشركة حتى قبيل الموعد المُقرر وانصرف فى غِمار نشوته وإحساسه أنه صبرَ كثيرا وحانت لحظة التعويض !
إحساس توتر مشوب بالقلق نسيَّ على أثره أن يحمل حافظة نقوده التى تحتوى على بطاقته, يخرج إلى الشارع لا يلتفت لأحد ممسكا سيرته الذاتية بيد والأخرى متحسسا بها الورقة فئة العشرين جنيها كل ما يملك فى هذه الحياة.
اِنطلق إلى مقر الشركة التى دعته , قبيل الوصول إليها فى رمسيس صادفه تجمع من الشباب عند دار القضاء العالى , بدت السماء ذات غيوم حينها ودُوارٌ أصابه فجأة لا يُعرف سببه ..
لم ينتبه إلى ما حدث غير أن إحدى قنابل الغاز إنتشرت فى الميدان , اختنق , سعل , لم يرَ شيئا ,,
دويُّ هِتاف , وصوتُ رَصَاص كل ما كان يمكن تمييزه قبل لحظات.
إخترقت جسده رصاصة حية _أكثر منه_ أسقطته أرضا , 
حين تجمع الناس حوله كان يلفظ أنفاسه الأخيرة, 
لم يتعرف إليه أحد غير أن سيرته الذاتيه صحبته إلى المشرحة.
هاتفه يدق , يرد غريب : البقاء لله , فارق الحياة.
كان غريبا حيا وميتا وكذلك كان الأخرون.

الثلاثاء، 21 يناير 2014

#ثم_يكون_لقاء

من قال إن الوداع مؤلم لا يعرف شيئا عن الألم , من قال إن لحظات الفراق قاسية لا يعرف شيئا عن القسوة , من قال إن الإنتظار على أمل العودة حميد لا يعرف كيف يكون الألم ممتزجا بالقسوة نموذجا مثاليا للأمل فى تلك اللحظات حتى اللقاء ثانية. 

حين الوداع تتزاحم الكلمات فى رأسك لا يسع اللسان أن يرتبها, كلمات كثيرة تضل طريقها إلى فمك فى زحام الأفكار !
لكن عيناك تقول شيئا ما , تقول إن الروح التى تطير تحمل معها روحها أخرى, 
غير أن إختناق يصيبك فور طيران إحدى الروحين وبقاء الأخرى فى موقعها أرضا !
فى السماء تحلق أمنيات متعلقة بالحنين والشوق إلى البقاء , وفى الأرض أمنيات تُصلى لأجل الأمل , الأمل فى اللقاء مرة أخرى.

للوداع هيبته, وله إحترامه, تمر لحظاته بكل لحظة كانت برفقة من تودعه جاعلة من لحظات الوداع أسوأ ما يمكن قضاؤه من زمن مع هذا الرفيق ,,
تتماسك خشية البكاء وفى عينيك دموع تفضح نواياك : لو كان بوسعك ماتركت اللقاء القادم متشبثا بأمل العودة من جديد, مابقيت وما وافقت على رحيل الأخر أو العكس.

فى الأخير تحتاج إلى عناق يسرى عما فى جوفك مِن حاجة إلى مَن يحنو عليك , يهدهد مشاعرك قليلا , يخبرك أن المدة لن تطول , وأن أياما تمر سريعا ثم يكون اللقاء أجمل بعد إشتياق وبعد حنينٍ خفى.

حسنا من قال أيام ؟
أيا ما كان لا أحد إلى الأن عرف أن يتوصل إلى سر الأيام التى تكون بألف مثلها,
لا أحد مطلقا .. لا أحد كالذى يودع حبيبا ينتظر لقاءه حين العودة.

‫#‏ثم_يكون_لقاء‬