بأِسا كعادته استيقظ من نومه بلا أمل فى الحياة, يقلب فى هاتفه لمح جديدا فى صندوق الوارد, ألقى نظرة خاطفة وجدها رسالة بشأن التأكيد على مقابلة وظيفية مُقرر إجرائها فى الغد.
استَلم التفاصيل وكان عليه أن يستعد لتلك المقابلة,
استعار حُلة صديقه وبدا وسيما حينما أزال لحيته ذات الأربعين يوما وبات ليلته يحلم !
كان أول ما فكر فيه ليس قبوله أم لا ,لقد كان فقدان تلك الوظيفة أمر مستحيل بالنسبة له رغما عنه, فرفْضه يعنى أن يترك تلك الوحدة السكنية التى يقطنها وأشياء أخرى , لكنه كان يفكر فى سداد ولو جزء من ديونه التى صارت تُكَّبلهُ حتى عن النزول للشارع , وبات الليل يفكر فى بعض حقوق مشروعة له كإنسان وحُلماً له كمواطن !
بات ليلته يُقّسم مُرتّبهُ الأول بين سداد جزء من دُفعات الإيجار المتأخرة وبين أن يكون حراً ببقاء بعض النقود فى جيبه فى أى وقت ,
بل إن الحُلم إمتد به ليحلم بالزواج والتفكير فى المستقبل !!
كان يعلم أن تلك الأمور لا تتعدى الحُلم حينها لكنها قد تصبح حقيقة واقعية لو أراد الله.
بات الليل طويلا أكثر مما ينبغى , رغما عنه لم يستطع النوم , فما أسوأ أن يتعلق الإنسان بأمرٍ ما يشعر أن لا شيء بعده فى الحياة وقد كان !!
فى الصباح الباكر لم يتنظر قرب الموعد المقرر له الحادية عشرة ظهرا , ارتدى حُلته واطلع على بعض أوراق وتقارير خاصة بمجال عمله ونبذة عن تلك الشركة حتى قبيل الموعد المُقرر وانصرف فى غِمار نشوته وإحساسه أنه صبرَ كثيرا وحانت لحظة التعويض !
إحساس توتر مشوب بالقلق نسيَّ على أثره أن يحمل حافظة نقوده التى تحتوى على بطاقته, يخرج إلى الشارع لا يلتفت لأحد ممسكا سيرته الذاتية بيد والأخرى متحسسا بها الورقة فئة العشرين جنيها كل ما يملك فى هذه الحياة.
اِنطلق إلى مقر الشركة التى دعته , قبيل الوصول إليها فى رمسيس صادفه تجمع من الشباب عند دار القضاء العالى , بدت السماء ذات غيوم حينها ودُوارٌ أصابه فجأة لا يُعرف سببه ..
لم ينتبه إلى ما حدث غير أن إحدى قنابل الغاز إنتشرت فى الميدان , اختنق , سعل , لم يرَ شيئا ,,
دويُّ هِتاف , وصوتُ رَصَاص كل ما كان يمكن تمييزه قبل لحظات.
إخترقت جسده رصاصة حية _أكثر منه_ أسقطته أرضا ,
حين تجمع الناس حوله كان يلفظ أنفاسه الأخيرة,
لم يتعرف إليه أحد غير أن سيرته الذاتيه صحبته إلى المشرحة.
هاتفه يدق , يرد غريب : البقاء لله , فارق الحياة.
كان غريبا حيا وميتا وكذلك كان الأخرون.