على إحدى أرصفة القطار السائر فى المدن (ترام) يجلس هذا الولد ذو العشرة أعوام أو ربما تزيد عاما آخر,يجلس مع والده المستند إلى إحدى لوحات الإعلانات التى تغمر رصيف (الترام) إحدى الإعلانات المزروعة فى الأرض وكأنها نبتت من تربة الرصيف,
كان إعلانا يحمل حملة جديدة لإحدى مطاعم الوجبات الجاهزة (ماكدونالدز),لم يتوقف عندها الولد
كثيرا كان مشغولا بشىء آخر ,,
هذا الصباح الذى تكسوه البرودة يحتاج للتدفئة بأى وسيلة, يفكر الولد فتخطر بباله فكرة يتوجه على الفور لتنفيذها ,
خلف الإعلان الذى يستند إليه والده هناك ثلاثة أوعية كبيرة من القمامة التى جمعها ثنائيتهم من قمامة قاطنى هذا الحى السكنى الراقى !
وجد ضالته أخيرا فجمع الأخشاب فى علبة من الصفيح وأشعل فيها النار وجلس القرفصاء مقابل والده والمدفأة _من صنع الولد_ بينهما تنبعث منها دخنة بعض الكراتين الصغيرة التى أشعل الولد من خلالها النار ,
إستقامت قدم الولد اليمنى وهَمَّ بفرد إحدى تشميرتى بطناله الداكن ليس فى لونه ولكن بسبب طبقات الإتساخ التى تكسوه فأخرج (ٍسيجارة) كانت مُخبأة فى تشميرة البنطال وغمس طرفها فى المدفأة ليشعلها ووالده ينظر له بإعجاب بالغ ويطلب منه (نَفَسْ) نظرا لنفاذ السجائر الخاصه به والولد يتمنع بسخرية ,,
يساومه والده فى جو من المرح بينهما ويرفض الولد رفضا قاطعا ويضحك بشدة على منظر والده الذى يساومه على(نَفَسْ) من سيجارته ..
أثناء مرحهما يأتى شخص يعبر الطريق ذو قميص لبنى يحمل شارتين على كتفيه وبنطال أزرق يبدو من الوهلة الأولى كحارس أمن,, يسأل الولد ووالده عن سر جلوسهما على هذا الرصيف فى هذا الطريق الرئيسى ويبدى إعتراضه على أكوام القمامة الثلاث التى بجنابهم فيستسمحه الوالد بضعة دقائق لتمر سيارة القمامة الكبيرة تحمل تلك الأكوام وينطلقا معها ,,
بينما يتطاول الولد عليه بالسؤال: هو رصيف أبوك ؟! أم أنك تريد المشاكسة وفقط !!
يعتذر الأب لحارس الأمن فينصرف ليعبر الطريق إلى الرصيف الأخر,,
يتبعه الولد بعينه فتنتهى عينه إلى متجر إستهلاكى كبير (هايبر ماركت) يحاول الولد بصعوبة أن يعرف أسمه لكنه يفشل فى قرأة كلمة (مترو) التى تعلو باب المتجر نظرا لعدم معرفته البته بالقرأة والكتابة,فينشغل الولد بسيجارته التى قاربت الإنتهاء ويكتم الحنق بداخله على والده الذى لم يُلحِقُهُ بمدرسة ككل الأطفال فى سنه ,,
يسأل والده بشرود ذهن : هل سأظل طوال عمرى دون معرفة القرأة والكتابة هكذا ؟!
فيؤمى الولد برأسه مؤكدا على مقولته ,
يعترض الولد بسؤال آخر: لو كانت أمى على قيد الحياة كانت علمتنى ؟!
يرد الوالد: الله يرحمها.
يطيح بعقب السيجارة المنتهية من يده فيقع فى المنطقة بين شريطى القطار ويركز عينه على موضع العقب متناسيا حركة السيارات الكثيرة والسريعة على جانبى الرصيف ويشرد بذهنه ,,
ثم يخبر والده : لما أكبر هعلم أولادى وحدخلهم مدارس.
فيضحك الوالد بسخرية : لقد كبرت قبل أوانك أصلا !
لا يبالى الولد ويكمل: ولن أتركهم للعمل منذ الصغر.
يلفهما صمت لثوانٍ معدودة,
ثم ينفجر بسؤاله الصارخ بداخله :لماذا نعمل فى جمع القمامة ؟!!!!!!!
لماذا لم نعمل بأى شىء آخر ؟؟
يصمت الوالد فى لامبالاه مصطنعه ,, ثم يلفهما الصمت لدقائق قليلة .
يقطعها الولد بقوله: أنا جائع
يخبره الوالد بإنعدام النقود لديه ويطلب منه الإنتظار لحين مجىء سيارة القمامة الكبيرة ,
فيزيغ الولد ببصره بين السيارات الفارهة المارة على جانبى الطريق ذهابا وإيابا,,ويحلم بالجلوس داخل إحداها _فقط_مجرد الجلوس !!
بينما يتأمل الولد تلك السيارات تقف سيارة (BMW) سوداء اللون يبادر سائقها بالنزول مسرعا ويفتح الباب الخلفى فى الجهة اليمنى للسيارة فتخرج إمرآة أربعينية شقراء ترتدى بلوزه مفتوحة الصدر وتنوره تكاد تصل لركبتها إلا قليلا يتأملها الولد فى حيرة بالغه لعينيه التى تروح ذهابا وإيابا بين السيارة وبين المرأة ,
سريعا ينظر لوالده فى إشارة ليشاركه التمتع بالنظر لتلك المرأة فينظر الوالد فى لامبالاته المعهوده,,
يسأل الولد والده: قلت لى من قبل إن زوجتك كانت جميلة جدا,, هل كانت تشبه هذه المرأة ؟؟
فيجيب الوالد: أمك..؟ أمك كانت أحلى منها 100 مرة
فتعلو ضحكات الإثنين معا..
يتمنى الولد لو كان رأى والدته أو رأى لها صورة واحده فى حياتها نظرا لوفاتها أثناء ولادته !
يتابعان النظر للمرأة فتغيب عن أعينهما متوجهة نحو المتجر الكبير (مترو) تدخل ويجلس السائق فى السيارة منتظر خروجها فيعاود الولد التجول بعينيه بين السيارات المارة على جانبى الطريق ,,
تمر سيارة نصف نقل تحمل على ظهرها كوما من البرتقال ورجل يجلس فى الخلف بجوار البرتقال ,,
تقف السيارة لأجل الإشارة التى إزدحمت فجأة, فيطلب الولد برتقاله من الرجل,,دون تردد يرسل له الرجل برتقاله فى الهواء يتلقفها الولد ويبدأ بتقشيرها بأسنانه ينتهى من ذلك فيقسم البرتقاله نصفين ويعطى والده النصف ويخبره بسخرية بدلا من (نَفَسْ) السيجارة,,
فتعلو ضحكاتهما معا.
أثناء تناول نصف البرتقالة لم تغب صورة المرأة عن ذهن الولد أثارته بملابسها تلك فقرر الإقتراب منها فور خروجها أكثر ,
ركز عينيه صوب باب الخروج من المتجر بعد دقائق مرت لم يعرف مقدارها الولد,,خرجت المرأة وخلفها أحد العاملين بالمتجر يجّرْ أمامه عربة مليئة بأكياس كثيرة تحمل فاكهة وأغذية مُعّلبة ساعدت الأكياس البيضاء الخفيفة على رؤية ما بداخلها.
أشارت المرأة للسائق, فجأة فُتحت حقيبة السيارة الخلفية وهّم العامل بتفريغ عربة الأكياس بداخلها ,,فى تلك الأثناء هب الولد من جلسته وتحرك نحو آخر الرصيف ليعبر الشارع ,لم يكن أحد فى الكون يعرف ماذا يحوى عقل الولد حينها ومالذى ينوى فعله , ناداه الوالد فلم يعبىء بندائه ,ظن الوالد أنه سيخطف أحد الأكياس ويجرى بعيدا ثم يعود فلم يهتم كثيرا ,
لامست قدما الولد أسفلت الطريق وجرى بإندفاع نحو سيارة المرأة وكانت قد دخلت سيارتها وجلست فى المقعد الخلفى على عكس مقعد السائق وأنهى العامل تفريغ الأكياس لم ينقصه سوى إغلاق حقيبة السيارة ,
زاد الولد من سرعته ليلحق بهما فجأة دوىّ فى المكان صوت فرامل قوية جدا من إحدى السيارات ثم أكملت سيرها بسرعة كبيرة لاسيما والإشارة مفتوحة فى تلك الأثناء..
لفت صوت الفرامل إنتباه الناس فاجتمعوا فى شكل دائرى لا إرادى, كان أحد هؤلاء المجتمعين هو حارس الأمن الذى حدث الولد والده منذ دقائق فأشار لأحدهم لينادى الوالد الذى مازال مستندا إلى اللوحة الإعلانية كما هو ,
نادى عليه أحدهم :ياعم إلحق إبنك !
قام الوالد بحركة متأنيه وعبر الطريق على مهل كان وصوله آخر حدث فى حياة الولد ,, فارق الحياة لحظة وصول والده ..
أحدهم لم ينجح فى ملاحقة السيارة التى أصابت الولد ولم ينجح فى إلتقاط أحرف رخصة تلك السيارة.
حاول المتجمعين مواسة الوالد لكنه لم يبدِ أى ملامح للحزن أو التأثر,,
صادف وقوفه أمام ولده المُلقى على الأرض ووجهه المائل للزرقة بقدوم سيارة القمامة الكبيرة ,,
ساعده إثنين من الناس بحمل الولد للرصيف المقابل لهم ,,
قام الوالد مسرعا بحمل أوعية القمامة بمساعدة زملائه فى سيارة القمامة ثم تحدث إلى السائق يطلب منه حمل جثة الولد على ظهر السيارة ليجد طريقة يدفنه بها فور الإنتهاء من يوميته, لم يبدِ السائق أى إعتراض فألقاه الوالد على ظهر السيارة بجوار أوعية القمامة ,, وإنصرفت السيارة متجهة نحو إحدى مستودعات القمامة الكبيرة بالعاصمة.
..تمت..
طب واللى عايز يعرف الولد كان عايز ايه يعمل ايه P
ردحذفمش فاهم سؤالك صراحة :/
ردحذف:((( رائعة حد الألم
ردحذفحزينة ولكن أسلوبك رائع :')
ردحذف